سيد قطب
3380
في ظلال القرآن
وطريقة أدائها لهذه الوظائف . عملية الهضم والامتصاص . عملية التنفس والاحتراق . دورة الدم في القلب والعروق . الجهاز العصبي وتركيبه وإدارته للجسم . الغدد وإفرازها وعلاقتها بنمو الجسد ونشاطه وانتظامه . تناسق هذه الأجهزة كلها وتعاونها ، وتجاوبها الكامل الدقيق . وكل عجيبة من هذه تنطوي تحتها عجائب . وفي كل عضو وكل جزء من عضو خارقة تحير الألباب . وأسرار روحه وطاقاتها المعلومة والمجهولة . . إدراكه للمدركات وطريقة إدراكها وحفظها وتذكرها . هذه المعلومات والصور المختزنة . أين ؟ وكيف ؟ هذه الصور والرؤى والمشاهد كيف انطبعت ؟ وأين ؟ وكيف تستدعى فتجيء . . وذلك في الجانب المعلوم من هذه القوى . فأما المجهول منها فهو أكبر وأكثر . تظهر آثاره بين الحين والحين في لمسات وإشراقات تدل على ما وراء الظاهر من المغيب المجهول . ثم أسرار هذا الجنس في توالده وتوارثه . خلية واحدة تحمل كل رصيد الجنس البشري من الخصائص ؛ وتحمل معها خصائص الأبوين والأجداد القريبين . فأين تكمن هذه الخصائص في تلك الخلية الصغيرة ؟ وكيف تهتدي بذاتها إلى طريقها التاريخي الطويل ، فتمثله أدق تمثيل ، وتنتهي إلى إعادة هذا الكائن الإنساني العجيب ؟ ! وإن وقفة أمام اللحظة التي يبدأ فيها الجنين حياته على الأرض ، وهو ينفصل عن أمه ويعتمد على نفسه ، ويؤذن لقلبه ورئتيه بالحركة لبدء الحياة . إن وقفة أمام هذه اللحظة وأمام هذه الحركة لتدهش العقول وتحير الألباب ، وتغمر النفس بفيض من الدهش وفيض من الإيمان ، لا يقف له قلب ولا يتماسك له وجدان ! وإن وقفة أخرى أمام اللحظة التي يتحرك فيها لسان الوليد لينطق بهذه الحروف والمقاطع والكلمات ثم بالعبارات . بل أمام النطق ذاته . نطق هذا اللسان . وتصويت تلك الحنجرة . إنها عجيبة . عجيبة تفقد وقعها لأنها تمر بنا كثيرا . ولكن الوقوف أمامها لحظة في تدبر يجدد وقعها . إنها خارقة . خارقة مذهلة تنبئ عن القدرة التي لا تكون إلا للّه . وكل جزئية في حياة هذا المخلوق تقفنا أمام خارقة من الخوارق ، لا ينقضي منها العجب ؛ « وَفِي أَنْفُسِكُمْ . أَ فَلا تُبْصِرُونَ ؟ » . . وكل فرد من هذا الجنس عالم وحده . ومرآة ينعكس من خلالها هذا الوجود كله في صورة خاصة لا تتكرر أبدا على مدار الدهور . ولا نظير له بين أبناء جنسه جميعا لا في شكله وملامحه ، ولا في عقله ومداركه ، ولا في روحه ومشاعره . ولا في صورة الكون كما هي في حسه وتصوره . ففي هذا المتحف الإلهي العجيب الذي يضم ملايين الملايين ، كل فرد نموذج خاص ، وطبعة فريدة لا تتكرر . يمر من خلالها الوجود كله في صورة كذلك لا تتكرر . كما لا توجد بصمة أصابع مماثلة لبصمة أصابع أخرى في هذه الأرض في جميع العصور ! وكثير من عجائب الجنس البشري مكشوفة للبصر ، تراه العيون : « وَفِي أَنْفُسِكُمْ . أَ فَلا تُبْصِرُونَ ؟ » : وما تراه العيون من عجائبه يشير إلى المغيب المكنون . وهذه العجائب لا يحصرها كتاب . فالمعلوم المكشوف منها يحتاج تفصيله إلى مجلدات . والمجهول منها ما يزال أكثر من المعلوم ، والقرآن لا يحصيها ولا يحصرها . ولكنه يلمس القلب هذه اللمسة ليستيقظ لهذا المتحف الإلهي المعروض للأبصار والبصائر . وليقضي رحلته على هذا الكوكب في ملاحظة وتدبر ، وفي متاع رفيع بتأمل هذا الخلق العجيب ، الكامن في ذات نفسه وهو عنه غافل مشغول . وإنها للحظات ممتعة حقا تلك التي يقضيها الإنسان يتأمل وجوه الخلق وسماتهم وحركاتهم وعاداتهم ، بعين